Share it

January 1, 2011

جــــيـفـارا



كثيراً ما نرى صوره على ملابس الشباب.. أو فى ملصقات السيارات .. أو معلقه فى حجره أى شاب ثائر , فأصبحت صوره الرجل الملتحى الوسيم رمزاً من رموز الشباب , و قدوه لكل شاب لديه هذه الطاقه الثوريه المفعمه بالحماس
و لمن لا يعرف.. من هو هذا الرجل؟ أهو قائد عسكرى مخضرم , أم مقاتل شرس , أم سياسى بارع , أم شاعر مرهف , أم صائد فراشات رقيق , أم طبيب ... فى الحقيقه هو كل ما سبق , فقد أستطاع ان يجمع بين كل هذه المتناقضات فى شخصيته المميزه , حتى أصبح واحداً من أشهر شخصيات التاريخ .. قدُم عنه عده أفلام سينيمائيه أشهرها فيلم (التشى) بطوله الممثل المصرى (عمرو الشريف) و بما أنه فيلم أمريكى فقد قدم شخصيه (جيفارا) على غير حقيقتها عندما أضافوا بعض الصفات العنيفه ألى شخصيته , و لكن فيما يأتى نتناول حقيقه هذه الشخصيه التاريخيه العظيمه...
فلقد ولد (أرنستو تشى جيفارا دى لا سيرنا) عام 1928 م , في حي روساريو بمدينة بوينسايريس بالارجنتين ,من أب يعمل مهندس معمارى , و أم مثقفه نفخت فى الفتى من روحها الشغوفه بتاريخ الأرجنتين بل و أمريكا اللاتينيه كلها, وكان جيفارا يواجه نوبات الربو المزمن التى كانت تنتابه منذ صغره ,ولذلك اضطرت العائلة إلى ترك العاصمة والانتقال إلى مكان أكثر جفافا؛ لأجل صحة الفتى العليل، وفي أثناء ذلك كان اللقاء الأول بين جيفارا والفقر المدقع والوضع الاجتماعي المتدني في أمريكا اللاتينية.في مارس 1947 عادت الأسرة إلى العاصمة ليلتحق الفتى بكلية الطب، وعند نهاية المرحلة الأولى لدراسته حين كان في الحادية والعشرين من عمره قام بجولة طويلة استمرت حوالي 8 أشهر على الدراجة البخارية نحو شمال القارة مع صديق طبيب كان أكبر منه سنا وأقرب إلى السياسة.. ومن هنا بدأ استكشاف الواقع الاجتماعي للقارة، وبدأ وعيه يتفتح ويعرف أن في الحياة هموما أكثر من مرضه الذي كان الهاجس الأول لأسرته؛ فرأى حياة الجماعات الهندية، وعاين بنفسه النقص في الغذاء والقمع.. ومارس الطب مع عمال أحد المناجم وهو ما حدا بالبعض أن يصفه بأنه من الأطباء الحمر الأوروبيين في القرن 19 الذين انحازوا إلى المذاهب الاجتماعية الثورية بفعل خبرتهم في الأمراض التي تنهش الفقراء.
وفي عام 1953 بعد حصوله على إجازته الطبية قام برحلته الثانية وكانت إلى جواتيمالا، حيث ساند رئيسها الشاب الذي كان يقوم بمحاولات إصلاح أفشلتها تدخلات المخابرات الأمريكية، وقامت ثورة شعبية تندد بهذه التدخلات؛ مما أدى لمقتل 9 آلاف شخص، فآمن الطبيب المتطوع الذي يمارس هواياته الصغيرة , التصوير وصيد الفراشات، أن الشعوب المسلحة فقط هي القادرة على صنع مقدراتها واستحقاق الحياة الفضلى. وفي عام 1955 قابل "هيلدا" المناضلة اليسارية من "بيرون" في منفاها في جواتيمالا، فتزوجها وأنجب منها طفلته الأولى، والعجيب أن هيلدا هي التي جعلته يقرأ للمرة الأولى بعض الكلاسيكيات الماركسية، إضافة إلى لينين وتروتسكي وماو.
و بعدما أستقر (جيفارا) فى المكسيك , تعرف على (فيديل كاسترو) و أصبحا أصدقاء , و لقد تلاقت أفكارهم الثوريه , و أتفقا على أن يقوما بتحرير (كوبا) بلده كاسترو .. فتعلم جيفارا المهارات القتاليه , فألقى بأدواته الطبيه و حمل بدلاً منها السلاح النارى.. و بالفعل اتجها إلى كوبا، وبدأ الهجوم ، ولم يكن معهم سوى ثمانين رجلا لم يبق منهم سوى 10 رجال فقط، بينهم (كاسترو) وأخوه) راءول) و(جيفارا)، ولكن هذا الهجوم الفاشل أكسبهم مؤيدين كثيرين خاصة في المناطق الريفية. وظلت المجموعة تمارس حرب العصابات لمدة سنتين حتى دخلت العاصمة هافانا في يناير 1959 منتصرين بعد أن أطاحوا بحكم الديكتاتور "باتيستا"، وفي تلك الأثناء اكتسب جيفارا لقب "تشي" يعني رفيق السلاح، و حصل على الجنسيه الكوبيه, وتزوج من زوجته الثانية "إلييدا مارش"، وأنجب منها أربعة أبناء بعد أن طلّق زوجته الأولى. وقتها كان "تشي جيفارا" قد وصل إلى أعلى رتبة عسكرية (قائد)، ثم تولى بعد استقرار الحكومة الثورية الجديدة عده مناصب:سفير منتدب إلى الهيئات الدولية الكبرى,منظم الميليشيا, رئيس البنك المركزي, مسئول التخطيط, وزير الصناعه.. ومن مواقعه تلك قام جيفارا بالتصدي بكل قوة لتدخلات الولايات المتحدة؛ فقرر تأميم جميع مصالح الدولة بالاتفاق مع كاسترو؛ فشددت الولايات المتحدة الحصار، وهو ما جعل كوبا تتجه تدريجيا نحو الاتحاد السوفيتي وقتها. كما أعلن عن مساندته حركات التحرير في كل من تشيلي، وفيتنام، والجزائر.
و لقد قام جيفارا بزياره لمصر و لرئيسها (عبد الناصر) و قام بينهما حديث أعلن فيه جيفارا للرئيس المصرى عن خلافات قد حدثت بينه و بين صديقه (كاسترو) رئيس كوبا , فقرر جيفارا مغادرة كوبا متجها إلى الكونغو الديمقراطية (زائير) , للقيام بثوره شعبيه هناك.. و لكن عبد الناصر حذره من القيام بهذا حتى لا يتحول ألى (طرازاناً) أبيض أتى ليحرر السود , و حذره أن من أجل هذا السبب لن يتعاون معه أهالى الكنغو , و لكن جيفارا أرسل برسالة إلى كاسترو في أكتوبر 1965 تخلى فيها نهائيا عن مسؤولياته في قيادة الحزب، وعن منصبه كوزير، وعن رتبته كقائد، وعن وضعه ككوبي، إلا أنه أعلن عن أن هناك روابط طبيعة أخرى لا يمكن القضاء عليها بالأوراق الرسمية، كما عبر عن حبه العميق لكاسترو ولكوبا، وحنينه لأيام النضال المشترك. وذهب "تشي" لأفريقيا مساندا للثورات التحررية، قائدا لـ 125 كوبيا، ولكن فشلت التجربة الأفريقية لأسباب عديدة، منها عدم تعاون رؤوس الثورة الأفارقة، واختلاف المناخ واللغة، وانتهى الأمر بجيفارا في أحد المستشفيات في براغ للنقاهة، وزاره كاسترو بنفسه ليرجوه العودة.
بعد إقامة قصيرة في كوبا إثر العودة من زائير اتجه جيفارا إلى بوليفيا التي اختارها، ربما لأن بها أعلى نسبة من السكان الهنود في القارة, و لم يكن مشروع "تشي" خلق حركة مسلحة بوليفية، بل التحضير لرص صفوف الحركات التحررية في أمريكا اللاتينية لمجابهة النزعة الأمريكية المستغلة لثروات دول القارة. وقد قام "تشي" بقيادة مجموعة من المحاربين لتحقيق هذه الأهداف، وقام أثناء تلك الفترة الواقعة بين 7 نوفمبر 1966 و7 أكتوبر 1976 بكتابه يوميات المعركة. وعن هذه اليوميات يروي فيدل كاسترو: "كانت كتابة اليوميات عادة عند تشي لازمته منذ أيام ثورة كوبا التي كنا فيها معا، كان يقف وسط الغابات وفي وقت الراحة ويمسك بالقلم يسجل به ما يرى أنه جدير بالتسجيل، هذه اليوميات لم تُكتب بقصد النشر، وإنما كُتبت في اللحظات القليلة النادرة التي كان يستريح فيها وسط كفاح بطولي يفوق طاقة البشر".في يوم 8 أكتوبر 1967 وفي أحد وديان بوليفيا الضيقة, و بسبب خيانه أحد الرفاق, هاجمت قوات الجيش البوليفي المكونة من 1500 فرد مجموعة جيفارا المكونة من 16 فردا، وقد ظل جيفارا ورفاقه يقاتلون 6 ساعات كاملة وهو شيء نادر الحدوث في حرب العصابات في منطقة صخرية وعرة، تجعل حتى الاتصال بينهم شبه مستحيل. وقد استمر "تشي" في القتال حتى بعد موت جميع أفراد المجموعة رغم إصابته بجروح في ساقه إلى أن دُمّرت بندقيته (M-2) وضاع مخزن مسدسه وهو ما يفسر وقوعه في الأسر حيا. نُقل "تشي" إلى قرية "لاهيجيراس"، وبقي حيا لمدة 24 ساعة، ورفض أن يتبادل كلمة واحدة مع من أسروه. وفي مدرسة القرية نفذ ضابط الصف "ماريو تيران" تعليمات ضابطيه: "ميجيل أيوروا" و"أندريس سيلنيش" بإطلاق النار على "تشي". دخل ماريو عليه مترددا فقال له جيفارا: "أطلق النار، لا تخف؛ إنك ببساطة ستقتل مجرد رجل"، ولكنه تراجع، ثم عاد مرة أخرى بعد أن كرر الضابطان الأوامر له فأخذ يطلق الرصاص من أعلى إلى أسفل تحت الخصر حيث كانت الأوامر واضحة بعدم توجيه النيران إلى القلب أو الرأس حتى تطول فترة احتضاره، إلى أن قام رقيب ثمل بإطلاق رصاصه من مسدسه في الجانب الأيسر فأنهى حياته. وقد رفضت السلطات البوليفية تسليم جثته لأخيه أو حتى تعريف أحد بمكانه أو بمقبرته حتى لا تكون مزارا للثوار من كل أنحاء العالم.
اغتيل جيفارا, هو ذاك الطبيب والشاعر, هو الثائر وصائد الفراشات. وحتى بعد مرور وقت طويل على مقتله, ما زالت بعض الاسئلة من الصعب الاجابة عليها, فلم يحسم احد حتى اليوم أمر الوشاية بجيفارا. وأيضاً لا أحد يعرف أين قبر جيفارا الحقيقي مع أن البعض زعم اكتشافه.ففي عام 1998 وبعد مرور 30 عاما على رحيله انتشرت في العالم كله حمّى جيفارا؛ حيث البحث الدءوب عن مقبرته، وطباعة صوره على الملابس والأدوات ودراسة سيرته وصدور الكتب عنه. اصبح جيفارا رمز الثورة واليسار في العالم اجمع, فيراه اليساريون صفحة ناصعة في تاريخهم المليء بالانكسارات والأخطاء، وأسطورة لا يمكن تكرارها على مستوى العمل السياسي العسكري، وهذا ما تؤيده مقولته الرائعة لكل مناضل ومؤمن بمبدأ على اختلاف اتجاهه "لا يستطيع المرء أن يكون متأكدا من أن هنالك شيئا يعيش من أجله إلا إذا كان مستعدا للموت في سبيله". مات الثوري وماتت الاسطورة النادرة, مات ذلك الجسد الذي لم ينهكه الربو, بل اغتالته الديكتاتورية. لكن الروح لم تمت لتبقى خالدة, لتبقى رمز الثورة والنصر

شريف طلال



0 التعليقات: